«الهروب من الخانكة» إلى «ميرامار»

«الهروب من الخانكة» إلى «ميرامار»

د. محمود خليل
توقفت بعض الأفلام أمام أحداث أخرى، غير حدثى ثورة 1952 والعدوان الثلاثى عام 1956، شهدتها حقبة الخمسينات من القرن الماضى.

عولجت أحداث مارس 1954 -على سبيل المثال- فى مشهد واحد داخل فيلم «الهروب من الخانكة» الذى أُنتج عام 1987، أدّاه باقتدار الفنان فريد شوقى وعكس فيه وجهة النظر التى تبنّاها اللواء محمد نجيب فى صراعه على الحكم مع الرئيس جمال عبدالناصر، وهى وجهة النظر التى كانت تنتصر لفكرة عودة الضباط إلى ثكناتهم والالتزام بنهج ديمقراطى حقيقى يتأسس على انتخابات حرة.

لكن الفيلم أهمل أن الإخوان وكذلك الأحزاب القديمة -أحزاب ما قبل 52- كانوا داعمين لوجهة النظر تلك، بل ومجلس قيادة الثورة أيضاً، حين ارتضوا بالأمر وقرروا عقد انتخابات نيابية تمهيداً للعودة إلى الديمقراطية، لولا المظاهرات العمالية التى قادها صاوى أحمد صاوى، رئيس اتحاد العمال، والتى يصفها الطرف النقيض لعبدالناصر بأنها كانت مدفوعة سياسياً ومالياً.

وكان لمظاهرات فبراير 1968، التى أتت رفضاً للأحكام الهزيلة ضد المسئولين عن نكسة 67، تأثير مُدوٍّ على قمة هرم السلطة فى مصر، ظهر ذلك جلياً فى بيان 30 مارس 68 الذى ألقاه الرئيس جمال عبدالناصر على الأمة. وأكثر ما يستلفت النظر فى هذا البيان حديث «ناصر» عن الديمقراطية كوسيلة لإدارة الحياة السياسية، والانتخابات كأداة لإفراز العناصر الأفضل داخل الاتحاد الاشتراكى (التنظيم السياسى حينذاك)، والدستور الدائم كمسار آن للثورة أن تسلك الطريق إليه.

بعدها انطلق صنّاع السينما نحو التعامل مع مجموعة من النصوص الكاشفة للأوضاع التى لحقت بمصر خلال الفترة التى أعقبت ثورة يوليو 52 وحتى النكسة.

فى هذا السياق أُنتج فيلم «أرض النفاق» عام 1968، وكشف حالة الفساد الخُلقى التى ضربت المجتمع المصرى، وكيف أن الطمع فى المغانم وضياع الأخلاق هما أساس «مجتمع النفاق»، وأُنتج أيضاً فيلم «القضية 68» الذى لمح إلى قضية الحرية «نفتح الشباك ولا نقفله»، وفيلم «المتمردون» عن رواية المبدع «صلاح حافظ» ويناقش فكرة الثورة على الظلم.

وفى عام 1969 تعامل فيلم «شىء من الخوف» مع فكرة القهر الذى يمارسه المستبد ضد البسطاء، وزراعة الخوف داخل وجدانهم بصورة تحول بينهم وبين الانتفاض ضده.

وعام 1969 أيضاً نكأ فيلم «ميرامار» الكثير من الجروح التى أصابت المجتمع المصرى بعد ثورة 52 والفساد الذى نخر فى الاتحاد الاشتراكى.

وفى عام 1971 -بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر- ظهر فيلم «ثرثرة فوق النيل» الذى كشف الحال التى وصلت إليها النخبة وأفراد الشعب العاديون حين تحول الطرفان إلى مجموعة من المساطيل.

كانت نكسة يونيو 1967 نقطة تحول فى الأداء السياسى للرئيس جمال عبدالناصر، حيث اتجه إلى منح المعارضة مساحات أكبر فى ظل الضغوط التى تولدت عن الحدث الجلل الذى ارتجّ له المجتمع المصرى بعنف.

واللافت أن المساحة الأكبر للتنفيس ظهرت فى السينما المصرية من خلال مجموعة من الأفلام التى اجتهدت فى نقد بل وفضح الواقع.

اترك تعليق