أمريكا وإيران.. اللاحرب واللاسلم

أمريكا وإيران.. اللاحرب واللاسلم

بقلم : محمود حبسة
كل المؤشرات كانت تؤكد منذ فترة وجيزة أن أمريكا سوف تشن حربا شعواء على إيران وأن الحرب أصبحت قاب قوسين أو أدنى، كل الدلائل الظاهرة كانت تقول ذلك، وهناك من المراقبين من ذهبوا إلى أن الحرب قد تتسع رقعتها وقد تتورط فيها دول أخرى في المنطقة خصوصا مع دخول إسرائيل طرفا في الحرب، وهناك من أخذته الحمية وقال إنها الحرب العالمية الثالثة لا جدال في ظل الخلاف الأمريكي- الروسي من جهة وكون إيران حليفا استراتيجيا لروسيا وفي ظل الهيمنة الإيرانية على عدد من دول المنطقة لا سيما سوريا والعراق.

السؤال الذي يفرض نفسه وبقوة ماذا حدث لكي تتراجع أمريكا عن قرارها بضرب إيران؟ ماذا حدث لكي يتراجع رئيس بسمات شخصية ترامب المعروف بصلفه وتهوره الذي يبحث عن أي نصر حتى ولو مزيف ويسعى لإرضاء إسرائيل بأي شكل؟ الإجابة لا شيء لم يحدث شيء لأنه في الأساس لم يكن هناك قرار أمريكي بضرب إيران، كانت كلها مناورات ليس أكثر، والمؤكد أنه لم ولن تتخذ أمريكا قرارا بضرب إيران لم يحدث ذلك في عهد أي إدارة أمريكية سابقة منذ أزمة حصار الطلبة الإيرانيين للعاملين والموظفين بالسفارة الأمريكية بطهران كرهائن بعد اندلاع ثورة الخوميني وحتى إدارة ترامب كل الإدارات الأمريكية السابقة لوحت بالحرب كورقة ضغط من بوش الأب إلى بوش الابن إلى كلينتون إلى أوباما إلى ترامب ولكن أحدا لم ينفذ.

في جميع الحالات التي خاضت فيها أمريكا حروبا ضد دول المنطقة كان الرابح فيها إيران رغم الصياح والضجيج والتعبير عن القلق والمخاوف الأمريكية والإسرائيلية من البرنامج النووي الإيراني ومن تنامى النفوذ الإيراني والأطماع الإيرانية، عندما حاربت أمريكا الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان تمدد النفوذ الإيراني في القارة الآسيوية، وعندما حاربت أمريكا العراق تحت زعم امتلاك نظام صدام حسين أسلحة نووية وتعاونه مع جماعة القاعدة كان الرابح أيضا إيران، فقد آن لها أن تبسط نفوذها على العراق بالكامل بعد سقوط أعدى أعدائها وهو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتفتت الجيش العراقي، لا سيما مع سيطرة الشيعة ممثلين في رئيس وزراء يحكم، وعندما حاربت أمريكا نظام بشار الأسد في سوريا تحت مزاعم محاربة الإرهاب كان لطهران أيضا أن بسطت نفوذها على كامل التراب السوري بعد أن أصبح النظام السوري على يقين أن طهران هي الحليف الأول له والمنقذ له من هذا المحيط المعادي له من الخليج إلى الأردن مرورا بتركيا، وتحقق لإسرائيل ما أرادت من هذه الحرب بإضعاف نظام الأسد والاستيلاء على هضبة الجولان إلى الأبد وبضمان أمريكي.

وقفت المنطقة على قدم وساق منذ تحركت حاملة الطائرات الأمريكية إلى مياه الخليج العربي، وردت إيران على التحركات الأمريكية بتصريحات عنترية منها أن القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة ستكون جميعها أهدافا للصواريخ الإيرانية وأن إسرائيل ذاتها سوف تصبح هي والعدم سواء بعد أيام قليلة من نشوب الحرب، ولم يكن كل ذلك إلا لتحقيق هدفين، الأول دفع طهران للتفاوض مع واشنطن حول مشروعها النووي وعدد من القضايا وفقا للشروط الأمريكية، والثاني استنزاف ثروات الخليج ووضع دوله في مرمى الأطماع الأمريكية لا سيما المملكة العربية السعودية التي تحدث الرئيس الأمريكي ترامب أكثر من مرة عن حجم الثراء الفاحش للمملكة مطالبا إياها بدفع أموال مقابل الحماية، كانت التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة لتحقيق هذين الهدفين فقط ولا شيء آخر، فالبرنامج النووي الإيراني سبب بعض القلق لإسرائيل رغم ما بين البلدين من تنسيق وتشاور خفي على عكس الخلاف المعلن، ولذا أراد ترامب إجبار طهران على إعادة التفاوض من جديد، وردت إيران بعد التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة بمضاعفة معدلات تخصيب اليورانيوم المشع لديها أربعة أضعاف، وهو ما أجبر ترامب على “لم الدور” بإعلانه التهدئة، أي أن إيران خرجت رابحة أيضا من الأزمة الأخيرة، ولأنها من البداية تعلم أن ترامب لن يدخل في حرب مباشرة معها هو فقط يناور للحصول على أكبر قدر من الأموال من دول الخليج، التي حصل من دولة واحدة منها وهي المملكة السعودية على 450 مليار دولار مقابل شراء أسلحة، فهو يريد أن يقول أن هناك خطرا حقيقيا من جانب إيران على دول المنطقة، وأنه جاد في حمايتها وجاءت في هذا الإطار مناورة الاعتداء على 4 سفن نفط سعودية وإماراتية، وفي الأزمة الأخيرة تحصل ترامب على 8.1 مليار دولار قيمة صفقات أسلحة جديدة للسعودية والإمارات.

بكل تأكيد تهديدات قادة الحرس الثوري الإيراني لم ترهب ترامب ولم تمنعه من تحقيق هدفه وهو ضرب إيران، فللتذكير كان لنظام الرئيس العراقي الراحل وقادة جيشه في بدايات عام 2003 تهديدات أشد وعملية ترهيب واسعة من عمليات اغتيالات لفرق انتحارية عراقية بالآلاف كما قال وزير خارجية النظام أحمد سعيد الصحاف وكان الجيش العراقي في هذا الوقت يتمتع بقوة كأحد أقوى جيوش المنطقة يكفي أنه حارب إيران على مدار 8 سنوات، ورغم ذلك غزا بوش الابن العراق محققا هدفا كبيرا لإسرائيل وهو تصفية نظام صدام حسين المعادي لإسرائيل والمساند للثورة الفلسطينية والقضاء على الجيش العراقي الذي تم حله بالفعل، الحرب الأمريكية- الإيرانية لن تتعدى كونها حرب إعلامية وفقط وستسمر كمناورة للضغط على دول الخليج من خلال الإبقاء على حالة اللاحرب واللاسلم لكي تعيش المنطقة أجواء التوتر الدائم وتبقى تحت التهديد المستمر والخوف المتواصل من هذا الشبح المدعو إيران لكي تستمر الهيمنة الأمريكية، فالمؤكد أنه لا يوجد عداء حقيقي بين نظام الملالى الشيعي في طهران وبين إسرائيل التي تحرك السياسة الخارجية الأمريكية.

اترك تعليق