المخاض الثاني

المخاض الثاني

بقلم : محمود حبسة

مخاض جديد تعاني الأمة العربية حاليًا من آلامه، هي نفس آلام المخاض التي عاشتها عام 2011 نفس الفوضى ونفس الإرهاصات تعيشها من جديد، وكأنه لم يعد كافيًا كل هذه السنوات التي مضت، بيد أنه على الشعوب العربية وحدها أن تدفع ثمنًا فادحًا جديدًا في مقابل حصولها على الحرية، وفي مقابل تمتعها بخيراتها ومقدراتها التي أودعها الله في هذه البقعة من العالم، بيد أنه كتب علينا أن نرى الدم العربي وحده يسيل من جديد في الشوارع العربية ودون غيرها، إن لم يكن بأيدي الجماعات المتطرفة من “داعش” وأخواتها، فليكن بأيدينا نحن الباحثين عن السلطة الطامعين فيها، وكأنه لا يكفي كل الدماء التي سالت وكل الشهداء الذين سقطوا بعشرات الآلاف في ميادين الثورة في معظم الدول العربية من الخليج إلى المغرب العربي، مرورًا بالعراق وسوريا.

 

المخاض الثاني تشهده ثلاث دول عربية هي، السودان وليبيا والجزائر، في الأولى أطاح الجيش برئيس رفض أن يستمع لصوت الحكمة، رفض أن يتنحى عن السلطة بإرادته ويستجيب لمطالب الشعب الذي نزل إلى الشارع منذ عدة أشهر، مطالبًا برحيله، رفض أن يعترف بحجم ما أحدثه من كوارث في بلده بدءًا من التقسيم وانفصال الجنوب، انتهاء بالتدهور الاقتصادي، ويكفي أن يصل سعر الدولار الواحد لـ75 جنيهًا سودانيًا.

 

 

 

ويبقى السؤال ما هو مصير السؤال بعد بيان الجيش واعتقال البشير، في ظل رفض المعارضة في الخارج، وفي ظل تربص الحركات الانفصالية ومن يساندها؟، عملية مخاض قد تؤتي بمولد فجر جديد يبشر بسودان عفي مستقر، وقد تؤتي بجنين مشوه ومزيد من الفوضى والاضطرابات السياسية والأمنية، والثانية بلد يسعى جاهدًا لإنهاء حالة الفوضى التي ضربته على مدار سنوات منذ مقتل رئيسه، بيد أنه على مشارف فوضى جديدة، يسعى لإنهاء حالة التشرذم والانقسام وعودة الهيبة للدولة الوطنية وبسط نفوذها على كامل التراب الليبي، كيف نقرأ مستقبله وتطورات الأحداث في ظل إصرار المجتمع الدولي على رفض دعم الحكومة المؤقتة ومساندة الجيش الوطني، وفي ظل انتشار الجماعات المسلحة، التي يحظى معظمها بدعم إقليمي ودولي، وتقف الثالثة هي الأخرى على أبواب فوضى تنذر بنفس المشهد الفوضى الدموي والعبثي، الذي عاشته في تسعينيات القرن الماضي؛ حيث كان القتل والاغتيالات بأبشع صورها، في الجزائر خرج الشعب أيضًا إلى الشارع بعد أن تمسك رئيسه بالترشح لدورة سادسة، رافضًا الانصياع إلى لغة العقل والمنطق ثم أجبر تحت ضغط الحراك الشعبي إلى تقديم استقالته في ظرف دقيق، وباتت المؤسسات الدستورية كلها غير قادرة على حماية البلاد من المخاطر التي تهددها وأولها الانزلاق إلى مستنقع العنف والفوضى.

 

تتجسد المأساة من جديد في عالمنا العربي في دول عزيزة على قلب كل عربي منتمٍ لهذا الوطن من الخليج إلى المحيط، ولعل المأساة تزداد عمقًا وتكريسًا وتزداد المؤامرة على الأمة العربية وضوحًا مع هذا الموقف الدولي المريب مما يحدث، فالغرب بكل دوله ومؤسساته يتابع عن كثب وينتظر لما تؤول إليه الأوضاع ليحدد الوقت المناسب للتدخل، الغرب يمارس لعبته المعروفة التي يجيدها جيدًا، وهي الإبقاء على الصراع مشتعلًا ودعم ومساندة كل أطراف الصراع، تحت ستار الإبقاء على مسافة واحدة من الجميع، ففي السودان يبقى على دعمه لكل الحركات الانفصالية، سواء بالاتصال المباشر أو من خلال وسيط عربي، غالبًا هو قطر، وفي الحالة الليبية كانت الحجة في المرة السابقة مع بدايات الأزمة التدخل لمنع القذافي من قتل المدنيين، وتم إسقاط نظام القذافي وتحوّلت ليبيا إلى ساحة لجميع أشكال وأنواع الجماعات المتطرفة والإرهابية بكل انتماءاتها وألوانها السياسية والدينية والطائفية والعرقية، وتم قتل عشرات الآلاف من المدنيين، الذين ادعى الغرب حمايتهم، والآن ومع أول محاولة جادة للجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر للقضاء على حالة الفوضى في ليبيا وإعادة توحيد البلاد يسعى الغرب جيدًا لإفشال جهود حفتر بمنع السلاح عنه وبدعوى أيضا حماية المدنيين وعدم التدخل لنصرة طرف من أطراف الصراع على حساب الطرف الآخر، رغم علمه بقدرة حفتر على دخول طرابلس والحفاظ على المدنيين، ويترقب المشهد الجزائري، الذي عبر عنه الشارع هناك، من خلال الآلاف الذين يخرجون يوميا رافضين الوضع الحالي، ساند الغرب بوتفليقة ودعم حق الجزائريين في التظاهر ضده دون الوضع في الاعتبار ما يمكن أن تدفع إليه الأوضاع الحالية من مخاطر الدفع بالبلاد إلى الفوضى لاسيما بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في مشهد ينذر بعودة مشاهد القتل والاغتيالات، التي عانت منها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي.

 

 

 

ويبقى السؤال ألا تكفي كل هذه السنوات العجاف التي مرت بها الأمة العربية منذ اندلعت الشرارة الأولى لثورات الربيع العربي في دولة تونس قبيل أن يلملم عام 2010 أيامه الأخيرة ويرحل؟، ألا يكفي كل هذا العدد من الشهداء الذين سقطوا خلال ما يقر ب من 9 سنوات والذين ضحوا بأرواحهم ثمنًا زهيدًا في سبيل أن تنعم الشعوب العربية بالحرية وبالأمن والأمان وأن تعم الحرية بلاد العرب وتنعم شعوبها بخيراتها كما ينعم حكامها؟، ألا تكفي كل هذه السنوات وكل هذا الثمن الذي دفعته الشعوب العربية ليدرك الحكام العرب أن البقاء في السلطة إلى ما لانهاية مفسدة مطلقة؟، ألا تكفي تجربة الربيع العربي بكل مرارتها ليدرك الحكام العرب كم ما ارتكبوه في حق شعوبهم من آثام وجرائم؟ نقلا عن روزاليوسف

 

اترك تعليق