ضرب «الوطية».. الرسالة السياسية والعسكرية

ضرب «الوطية».. الرسالة السياسية والعسكرية

بهجت العبيدي
استيقظ العالم العربي والعالم أجمع على ضربات تصر أنقرة أنها لطائرات “مجهولة”، تم توجيهها في ساعة متأخرة من ليل السبت وقد دمرت منظومة دفاع جوي تركية التي تم تركيبها مؤخرًا في قاعدة الوطية.

ولقد احتفل الوطنيون جميعا في العالم العربي بهذه الضربات التي بلغت تسع ضربات، والتي وصفت بأنها كانت دقيقة، ما جعلها لا تخطئ الهدف الذي وُجّهت له، وهو تدمير منظومة الدفاع التركية، التي كانت قد تم تشييدها على الفور، وعادت تلك الطائرات “المجهولة” تركيًّا، والتي نسبها مصدر عسكري للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، ولا بد هنا أن نتوقف عند إصرار تركيا لوصفها بالمجهولة، ذلك الذي يغني أنها غير مصدقة لامتلاك الجيش الوطني الليبي تلك الطائرات القادرة على تنفيذ عملية بهذا الحجم وبهذه الدقة، وهو ما يعضد التناول الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي دائما ما يتباهى بهذه الطائرات “المجهولة”، “المعلومة” لديه، هذا التناول الشعبي الذي يستند إلى قوة أقوى جيش في المنطقة من ناحية، وإلى هذا الدعم المعلن من الدولة العريقة صاحبة هذا الجيش للجيش الوطني الليبي، وللشعب الليبي، وللبرلمان الليبي، الذي هو المؤسسة الوحيدة المنتخبة من قبل أبناء الشعب الليبي، هذا الذي يجعله المؤسسة الشرعية الأولى في ليبيا الشقيقة من ناحية أخرى.

لا شك أن هذه الضربات التسعة الموجهة بدقة متناهية لقاعدة “الوطية” والتي دمرت منظومة الدفاع التركية لها العديد من الدلالات، وتعكس الكثير من المعاني، ربما أقلها، في تصورنا، الدلالة العسكرية المباشرة، فلو أردنا أن نتعرف على قدرات هذه المنظومة فهي كما يقول الباحث العسكري المصري محمد الكناني أن تلك الغارات نجحت في تحييد منظومات الدفاع الجوي متوسطة المدى “هوك” أمريكية الصنع، بالإضافة إلى 3 رادارات في الغالب هي من الطراز “كالكان” تركية الصنع عاملة مع منظومات “هوك”، بالإضافة إلى تدمير منظومة الإعاقة والشوشرة الإلكترونية تركية الصنع “كورال”.

وأضاف الكناني أن تركيا طورت بالفعل منظومتي دفاع جوي تحت مسمى “حصار” إحداها قصيرة المدى تحت مسمى “حصار-إيه” يصل مداها إلى 15 كم، والثانية “حصار-أو” ويصل مداها إلى 25 كم، ولكن لم تدخلا الخدمة حتى اللحظة.

أما الدلالة الأولى من الناحية العسكرية المخابراتية فهي لدينا كالتالي: إن من يستطيع أن يوجه تلك الضربات الجوية الدقيقة لمنظومة دفاع مجرد تشييدها، فإنه كان يعلم بدقة أيضا عن وصول هذه المنظومة، وبالتالي كان بإمكانه أن يعيق وصولها إلى القاعدة، ولكن هذا المراقب، سمح بإيصال تلك المنظومة ليُرِي العالم ذلك، ثم يقوم بتوجيه هذه الضربات لتؤكد للعدو التركي المحتل أن مؤخرته عارية تماما وأنه يستطيع أن يلعب تلك المؤخرة ضربا ليشعلها نارا محرقة. وهو ما قد كان.

دلالة أخرى عسكرية وهو أن من وراء تلك الطائرات التي تصفها تركيا بالمجهولة، يستهزئ بهذا العدو المحتل فينزع عنه هذا الغرور بنفسه ويمرمغ أنفه في التراب، فيذهب بزهزه بقوته، ذلك حينما اختار أن يوجه ضرباته أثناء زيارة يقوم بها وزير الدفاع التركي خلوص أكار ويرافقه فيها رئيس الأركان يشار غولر، الذي قيل أنه أصيب في هذه الغارات الجوية، وسواء كان أصيب أو لم يصب – المؤكد أن هناك قيادات عسكرية تركية قد أصيبت نتيجة لهذه الضربات المركزة – فإن الإهانة التي قد تعمدها القائد الأعلى للطائرات “مجهولة الهوية” حسب الوصف التركي، للمحتل العثماني قد وقعت وحققت أهدافها.

نأتي الآن لدلالة سياسية يستطيع أن يقرأها الجميع، وهي أن ما أعلنته القاهرة من أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية هو الحقيقة عينها، فمن ظن أنه بنقله لعشرات الآلاف من المرتزقة الإرهابيين، بالإضافة إلى معداته العسكرية، أردك – إن لم يكن “بجمًا” تركيا، أنه في مهب الريح، ولن ينفعه هؤلاء المرتزقة، كما لن تصمد معداته العسكرية، التي سُمِحَ له بنقلها حتى اللحظة، والتي سيتم منعها كلية حال لم يعد إلى عقله، وأرهف السمع لصوت الحكمة الصادر من القاهرة التي إن قالت، كان القول قولها في هذه المنطقة، لا قول لأحد غيرها.

وإذا المثل السائر هو: إذا قالت حذامُ فصدقوها ** فإن القول ما قالت حذام.
فإننا نقول هنا “إذا قال السيسي فصدقوه فالقول ما قال السيسي” .

اترك تعليق